من يمثل الصحراويين فعليًا؟
إعادة التفكير في الشرعية السياسية في ملف الصحراء الغربية
منذ ما يقرب من نصف قرن، تظل قضية الصحراء الغربية واحدة من أطول النزاعات غير المحسومة على أجندة المجتمع الدولي. ومع ذلك، وراء نقاش يُختزل غالبًا في مسألة وضع الإقليم، يبقى سؤال جوهري لم يُعالج بما يكفي: مسألة شرعية التمثيل السياسي للشعب الصحراوي.
ومع بروز ديناميات دبلوماسية جديدة وإعادة إطلاق النقاشات في عدد من العواصم الدولية حول حل سياسي، أصبحت هذه المسألة أكثر مركزية من أي وقت مضى. فالمجتمع الصحراوي اليوم لم يعد هو نفسه مجتمع سبعينيات القرن الماضي؛ إذ شهد تحولات عميقة وأصبح يتميز اليوم بتنوع سياسي واجتماعي وجيلي.
تمثيل موروث من سياق تاريخي
على مدى عقود، قدمت جبهة البوليساريو نفسها باعتبارها «الممثل الوحيد والشرعي» للشعب الصحراوي. وقد جاء هذا الاعتراف في سياق دولي خاص تميز بالحرب الباردة وبالديناميات المرتبطة بحركات تصفية الاستعمار التي كانت تؤطر العلاقات الدولية آنذاك.
في تلك الفترة، كانت حركات التحرر الوطني تحتل موقعًا مركزيًا في التوازنات الجيوسياسية، وهو ما أتاح للبوليساريو الحصول على دعم سياسي ودبلوماسي مهم في عدة محافل دولية.
غير أن السياقين الإقليمي والدولي قد شهدا تحولات عميقة. فبعد خمسين عامًا من الصراع والمنفى والتحولات الجيوسياسية، أصبحت الحقيقة السياسية الصحراوية أكثر تنوعًا.
اليوم تعبر أجيال جديدة من الصحراويين عن تطلعات مختلفة: الاستقرار، والتنمية الاقتصادية، وحرية التنقل، والمشاركة السياسية، والاندماج في الديناميات الإقليمية.
بروز تعددية في الفاعلين الصحراويين
في هذا السياق، بدأت عدة أصوات صحراوية — بما في ذلك شخصيات كانت تشغل مواقع قيادية داخل البوليساريو — في التشكيك في احتكار التمثيل الذي تدّعيه هذه الحركة.
وتركز هذه الانتقادات بشكل خاص على:
• مركزية السلطة السياسية
• استمرار منطق المواجهة الموروث من الماضي
• وعدم القدرة على تكييف الاستراتيجية السياسية مع تطورات السياق الدولي.
في المقابل، تطور شكل آخر من أشكال التمثيل الصحراوي داخل المؤسسات المحلية والوطنية في الأقاليم الجنوبية للمغرب. فالمسؤولون والمنتخبون الصحراويون الذين يشاركون في الهياكل السياسية المحلية يمثلون جزءًا مهمًا من السكان الصحراويين المقيمين في الإقليم والمنخرطين في المسارات المؤسسية القائمة.
وهاتان الحقيقتان السياسيتان تعكسان بالفعل تعددية في المواقف داخل المجتمع الصحراوي.
ظهور طريق ثالث: الحركة الصحراوية من أجل السلام
بين هذين القطبين برزت تدريجيًا طريق ثالثة، هي طريق الحركة الصحراوية من أجل السلام.
تأسست هذه الحركة على يد قيادات سابقة في البوليساريو وفاعلين صحراويين من خلفيات سياسية واجتماعية مختلفة، وهي تقترح مقاربة بديلة تقوم على الواقعية السياسية والاعتدال والبحث عن تسوية دائمة.
تضم الحركة اليوم صحراويين من فضاءات جغرافية متعددة:
• مخيمات اللاجئين في تندوف
• أراضي الصحراء
• الجالية الصحراوية في الخارج
• إضافة إلى مجتمعات مستقرة في موريتانيا.
ويعكس هذا التنوع الاجتماعي واقعًا غالبًا ما يغيب عن أطر التفاوض التقليدية.
كما تنضم إلى هذه القاعدة السياسية أيضًا بنية أساسية في المجتمع الصحراوي: البعد القبلي والاجتماعي. فقد انضم عدد من الأعيان والزعماء التقليديين إلى الحركة أو أعلنوا دعمهم لها، مما ساهم في تعزيز شرعيتها التاريخية والاجتماعية.
وفي مجتمع لا تزال البنى القبلية فيه تلعب دورًا مهمًا في التنظيم الاجتماعي والوساطة السياسية، يظل هذا العامل أساسيًا لفهم ديناميات التمثيل.
الديناميات الدبلوماسية الجديدة
تؤكد التطورات الدبلوماسية الأخيرة كذلك ضرورة إعادة التفكير في معايير الحوار.
فالمشاورات والنقاشات التي جرت في عدة عواصم، ولا سيما في مدريد وواشنطن، تعكس إرادة متزايدة لدى المجتمع الدولي لاستكشاف حلول عملية قادرة على إخراج النزاع من حالة الجمود.
وفي هذا السياق، أصبح مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007 تحت إشراف الأمم المتحدة أحد الأطر الرئيسية للنقاش.
وقد أصبحت عدة قوى دولية تعتبر هذه المبادرة أساسًا جديًا وذا مصداقية للتوصل إلى حل تفاوضي.
ومع ذلك، وبغض النظر عن البنية المؤسسية التي قد يتم اعتمادها، فإن أي حل دائم لن يكون ممكنًا دون تمثيل شامل للصحراويين أنفسهم.
نحو تمثيل أكثر شمولًا
إن حصر المفاوضات في طرف واحد لم يعد يعكس التعقيد السياسي والاجتماعي للمجتمع الصحراوي اليوم.
إن الاعتراف بتعدد الفاعلين الصحراويين — بما في ذلك الحركات السياسية الناشئة، والمنتخبين المحليين، والسلطات التقليدية، والمجتمع المدني — يمكن أن يفتح الطريق أمام عملية تفاوض أكثر تمثيلًا ومصداقية.
وفي هذا الإطار، تتموضع الحركة الصحراوية من أجل السلام كفاعل قادر على المساهمة في إعادة تعريف الحوار الصحراوي. فمقاربتها تقوم على الواقعية السياسية والمصالحة الداخلية والاندماج الإقليمي باعتبارها شروطًا أساسية لتحقيق سلام دائم.
رهان الحوكمة والمستقبل
وبشكل أوسع، يعكس تطور ملف الصحراء الغربية تحولًا أعمق في طبيعة النزاعات المعاصرة: فالحلول لم تعد تُفرض بمنطق موروث من الماضي، بل ينبغي أن تنبثق من تمثيل سياسي حقيقي وشامل.
ولم تعد القضية المركزية مجرد مسألة إقليمية.
بل أصبحت قضية حوكمة وتمثيل ومستقبل بالنسبة للصحراويين أنفسهم.
والاعتراف بهذه الحقيقة قد يشكل الخطوة الحاسمة التي تسمح أخيرًا بتحويل نزاع مجمد إلى فرصة للسلام والاستقرار الإقليمي والتنمية المشتركة.
محمد شريف
إرسال التعليق