حركة صحراويون من أجل السلام: معارضة للبوليساريو أم مشروع صحراوي مستقل؟
الجريدة: العمق المغربي
الدكتور: عبدالقادر الحافظ بريهما
منذ اندلاع نزاع الصحراء في سياق إقليمي ودولي معقد، وجد الصحراويون أنفسهم وقودًا لصراع طويل الأمد، دفعوا كلفته الإنسانية والاجتماعية والسياسية لأكثر من خمسة عقود. تشتتت الأسر، وضاعت أجيال كاملة بين اللجوء والتيه، وتعطلت فرص التنمية، بينما ظل الإنسان الصحراوي رهينة حسابات إقليمية لا تعير لمعاناته أي اعتبار حقيقي. ومع تراكم خيبات الأمل، وتآكل الخطابات التقليدية، برزت الحاجة إلى تفكير جديد، ورؤية واقعية تضع كرامة الصحراويين في صلب أي حل ممكن، وهو ما مهد لظهور حركة صحراويون من أجل السلام كإطار صحراوي مستقل يسعى إلى كسر الجمود وفتح أفق مختلف.
تقدم حركة صحراويون من أجل السلام ليس بوصفها حركة معارضة لجبهة البوليساريو، بل كحركة صحراوية مستقلة قائمة بذاتها، لها مبادئها الواضحة، ومؤسساتها المنظمة، وقانونها الأساسي الذي يؤطر عملها واختياراتها. فهي لا تعرف نفسها من خلال الخصومة أو رد الفعل، بل من خلال مشروع سياسي واجتماعي متكامل، يجعل من الإنسان الصحراوي محور الفعل والغاية، ويستمد شرعيته من الواقع، ومن الجرأة على تقييم نصف قرن من التدبير الفاشل لقضية مصيرية.
منذ تأسيسها في أبريل 2020، اتخذت الحركة من مدريد مقرًا لها، ونجحت في بناء شبكة واسعة من الأعضاء والمنخرطين تمتد عبر عدة بلدان أوروبية، ودول شمال إفريقيا، بما فيها الجزائر ومخيمات تندوف وموريتانيا والمملكة المغربية. هذا الامتداد الجغرافي يعكس طبيعتها العابرة للحدود، ويؤكد أنها حركة متجذرة داخل المجتمع الصحراوي بمختلف مكوناته وحساسياته وحواضنه الاجتماعية، لا حكرًا على فئة أو جيل أو مسار واحد.
تعتمد حركة صحراويون من أجل السلام على تمويلها الذاتي، وهو عنصر جوهري في ترسيخ استقلال قرارها السياسي والفكري. فغياب أي دعم رسمي دولي أو مغربي، كما يروج خصومها، لم يكن نقطة ضعف، بل تحول إلى مصدر قوة ومصداقية، حررها من الإملاءات، ومكنها من صياغة مواقفها وفق ما يخدم مصلحة الصحراويين، لا وفق أجندات الجهات الراعية أو الممولة.
هذا الحضور المتنامي، وما رافقه من مؤتمرات إقليمية وأنشطة نوعية، جعل قيادة البوليساريو تعيش حالة ارتباك واضحة منذ بروز الحركة. فقد كشفت الأخيرة، بخطابها الهادئ والعقلاني، حجم التناقضات التي تعيشها قيادة تقليدية متخشبة ومتهالكة، وأعادت فتح نقاش ظل محظورًا لعقود، يتعلق بشرعية التمثيل، وجدوى الاستمرار في نهج اللاحل، والارتهان الكامل للمخابرات الجزائرية.
في إطار استراتيجيتها العملية، أولت الحركة أهمية كبرى لوسائط التواصل الاجتماعي، فنجحت في تحويلها إلى فضاءات حرة للنقاش والتعبئة والتنوير. كما شكلت خلايا عمل مرنة داخل مخيمات تندوف على ظهر الحمادة، وفي موريتانيا، واسبانيا والجزائر، وبمدن الصحراء على المحيط الاطلسي، مستفيدة من سرعة التحرك، والقدرة على الالتفاف والمناورة ونصب الكمائن السياسية والحضور الدولي اللافت، في مقابل بنية متحجرة وجامدة، تتحرك ببطء وتدار بعقلية سبعينيات القرن الماضي.
تطرح حركة صحراويون من أجل السلام أفكارًا جديدة وتصورات حديثة لإنهاء معاناة الصحراويين، وتتقاطع بوضوح مع مشروع الحكم الذاتي الذي اقترحته المملكة المغربية سنة 2007 والذي تبناه مجلس الأمن بالقرار رقم 2797، باعتباره خيارًا واقعيًا وجديًا لإنهاء النزاع. هذا التقاطع لا يعني التبعية، بل يعكس قراءة براغماتية للواقع الإقليمي والدولي، وسعيًا لتوظيف الممكن السياسي من أجل تحقيق مكاسب ملموسة لصالح المواطنين الصحراويين و عودة اللاجئين، وتوفير السكن والتشغيل، وإطلاق المعتقلين، وتهيئة مناخ اقتصادي واجتماعي كريم.
ما يميز هذه الحركة أيضًا هو ديناميتها العالية، وتناغمها مع المستجدات، واعتمادها على التقنيات الحديثة في التنظيم والتواصل، في مقابل قيادة تقليدية مفقودة ذهنيا، تنتظر التعليمات من قصر المرادية، وتعجز عن فهم تحولات الوعي داخل المجتمع الصحراوي. قيادة الحركة تتمتع بشرعية سياسية، وحنكة في التدبير، وخبرة عميقة بمكر وخداع المخابرات الجزائرية و “قبيلة قيادة” البوليساريو، ما مكنها منذ تأسيسها من نصب كمائن سياسية وتواصلية أربكت خصمها، وأكدت أن احتكار التمثيل قد انتهى، وأن بداية النهاية لم تعد شعارًا، بل مسارًا يتكرس يومًا بعد يوم في وعي القواعد الصحراوية بمختلف مشاربهم وخلفياتهم السياسية ومختلف حواضنهم الاجتماعية .



إرسال التعليق